الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

303

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ( 1 ) واعتبروا ذلك دليلا على بطلان رسالته . إن واحدا من دلائل عظمة الإسلام والقرآن ، وعظمة مدرسة الأنبياء عموما ، هو أنها وقفت ثابتة لا تتزحزح في وجه أمثال هذه الطلبات ، وراحت تحطم هذه الامتيازات الموهومة في كل المجتمعات التي تعتبر التمايز الطبقي مسألة ثابتة ، لتعلن أن الفقر ليس نقصا في أشخاص مثل سلمان وأبي ذر والخباب وبلال ، كما أن الثروة ليست امتيازا اجتماعيا أو معنويا لهؤلاء الأثرياء الفارغين المتحجرين المتكبرين . ثم تقول الآية : إنه ليس ثمة ما يدعو إلى إبعاد هؤلاء المؤمنين عنك ، لأن حسابهم ليس عليك ، ولا حسابك عليهم : ما عليك من حسابهم من شئ ، وما من حسابك عليهم من شئ ، ولكنك مع ذلك إذا فعلت تكون ظالما : فتطردهم فتكون من الظالمين . يختلف المفسرون في توضيح المقصود من " الحساب " هنا . منهم من يقول : إن المقصود هو حساب رزقهم ، أي أنهم وإن كانوا فقراء فإنهم لا يثقلون عليك بشئ ، لأن حساب رزقهم على الله ، كما أنك أنت أيضا لا تحملهم ثقل معيشتك ، إذ ليس من حساب رزقك عليهم من شئ . غير أن هذا الاحتمال يبدو بعيدا ، لأن الظاهر أن القصد من الحساب هو حساب الأعمال ، كما يقول كثير من المفسرين ، أما لماذا يقول الله أن حساب أعمالهم ليس عليك ، مع أنهم لم يبدر منهم أي عمل سئ يستوجب هذا القول ؟ فالجواب : إن المشركين كانوا يتهمون أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الفقراء بالابتعاد عن الله بسبب فقرهم ، زاعمين أنهم لو كانت أعمالهم مقبولة عند الله لزمه الترفيه والتوسعة عليهم في معيشتهم ، بل كانوا يتهمونهم بأنهم لم يؤمنوا إلا لضمان

--> 1 - هود ، 27 .